فصل: آيَةُ السَّمَاوَاتِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين



.آيَةُ الْأَرْضِ:

مِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى أَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَمِهَادًا، وَسَلَكَ فِيهَا سُبُلًا فِجَاجًا، وَجَعَلَهَا ذَلُولًا لِتَمْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، وَجَعَلَهَا قَارَّةً لَا تَتَحَرَّكُ، وَأَرْسَى فِيهَا الْجِبَالَ أَوْتَادًا لَهَا تَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ، ثُمَّ وَسَّعَ أَكْنَافَهَا حَتَّى عَجَزَ الْآدَمِيُّونَ عَنْ بُلُوغِ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا. وَقَدْ أَكْثَرَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ ذِكْرِ الْأَرْضِ لِيُتَفَكَّرَ فِي عَجَائِبِهَا، فَظَهْرُهَا مَقَرُّ الْأَحْيَاءِ، وَبَطْنُهَا مَرْقَدُ الْأَمْوَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [الْمُرْسَلَاتِ: 25- 26] فَانْظُرْ إِلَى الْأَرْضِ وَهِيَ مَيْتَةٌ {فَإِذَا أَنْزَلَنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} وَاخْضَرَّتْ {وَأَنْبَتَتْ} عَجَائِبَ النَّبَاتِ [الْحَجِّ: 5] وَخَرَجَتْ مِنْهَا أَصْنَافُ الْحَيَوَانَاتِ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أَحْكَمَ جَوَانِبَ الْأَرْضِ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ الشَّوَامِخِ الصُّمِّ الصِّلَابِ، وَكَيْفَ أَوْدَعَ الْمِيَاهَ تَحْتَهَا فَفَجَّرَ الْعُيُونَ وَأَسَالَ الْأَنْهَارَ تَجْرِي عَلَى وَجْهِهَا، وَأَخْرَجَ مِنَ الْحِجَارَةِ الْيَابِسَةِ وَمِنَ التُّرَابِ الْكَدِرِ مَاءً رَقِيقًا صَافِيًا زُلَالًا، وَجَعَلَ بِهِ {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الْأَنْبِيَاءِ: 30] فَأَخْرَجَ بِهِ فُنُونَ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ مِنْ حَبٍّ وَعِنَبٍ وَقَضْبٍ وَزَيْتُونٍ وَنَخْلٍ وَرُمَّانٍ وَفَوَاكِهَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى مُخْتَلِفَةِ الْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالصِّفَاتِ وَالرَّوَائِحِ يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَتُخْرَجُ مِنْ أَرْضٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ اخْتِلَافَهَا بِاخْتِلَافِ بُذُورِهَا وَأُصُولِهَا فَمَتَى كَانَ فِي النَّوَاةِ نَخْلَةٌ مُطَوَّقَةٌ بِعَنَاقِيدِ الرُّطَبِ؟ وَمَتَى كَانَ فِي حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ؟ ثُمَّ انْظُرْ إِلَى أَرْضِ الْبَوَادِي وَفَتِّشْ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا فَتَرَاهَا تُرَابًا مُتَشَابِهًا، فَإِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهَا الْمَاءُ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ أَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً وَنَبَاتًا مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ، لِكُلِّ وَاحِدٍ طَعْمٌ وَرِيحٌ وَلَوْنٌ وَشَكْلٌ يُخَالِفُ الْآخَرَ، فَانْظُرْ إِلَى كَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَكَثْرَةِ أَشْكَالِهَا، ثُمَّ اخْتِلَافِ طَبَائِعِ النَّبَاتِ وَكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ، وَكَيْفَ أَوْدَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقَاقِيرَ الْمَنَافِعَ الْغَرِيبَةَ: فَهَذَا النَّبَاتُ يُغَذِّي، وَهَذَا يُقَوِّي، وَهَذَا يُحْيِي، وَهَذَا يَقْتُلُ، وَهَذَا يُبَرِّدُ، وَهَذَا يُسَخِّنُ، وَهَذَا يُفَرِّحُ، وَهَذَا يُنَوِّمُ، فَلَمْ تَنْبُتْ مِنَ الْأَرْضِ وَرَقَةٌ وَلَا نَبْتَةٌ إِلَّا وَفِيهَا مَنَافِعُ لَا يَقْوَى الْبَشَرُ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِهَا. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا النَّبَاتِ يَحْتَاجُ الْفَلَّاحُ فِي تَرْبِيَتِهِ إِلَى عَمَلٍ مَخْصُوصٍ. وَلَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ اخْتِلَافَ أَجْنَاسِ النَّبَاتِ وَأَنْوَاعِهِ وَمَنَافِعِهِ وَأَحْوَالِهِ وَعَجَائِبِهِ لَانْقَضَتِ الْأَيَّامُ فِي وَصْفِ ذَلِكَ فَيَكْفِيكَ مِنْ كُلٍّ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ الْفِكْرِ. فَهَذِهِ عَجَائِبُ النَّبَاتِ.

.آيَةُ أَصْنَافِ الْحَيَوَانَاتِ:

اعْلَمْ أَنَّ مِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى أَصْنَافَ الْحَيَوَانَاتِ وَانْقِسَامَهَا إِلَى مَا يَطِيرُ وَإِلَى مَا يَمْشِي، وَانْقِسَامَ مَا يَمْشِي إِلَى مَا يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَعَلَى أَرْبَعٍ وَعَلَى عَشْرٍ وَعَلَى مِائَةٍ كَمَا يُشَاهَدُ فِي بَعْضِ الْحَشَرَاتِ، ثُمَّ انْقِسَامَهَا فِي الْمَنَافِعِ وَالصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالطِّبَاعِ. فَانْظُرْ إِلَى طُيُورِ الْجَوِّ وَإِلَى وُحُوشِ الْبَرِّ وَإِلَى الْبَهَائِمِ الْأَهْلِيَّةِ تَرَى فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ مَا لَا تَشُكُّ مَعَهُ فِي عَظَمَةِ خَالِقِهَا وَقُدْرَةِ مُقَدِّرِهَا وَحِكْمَةِ مُصَوِّرِهَا، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَقْصَى ذَلِكَ؟ بَلْ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ عَجَائِبَ الْبَقَّةِ أَوِ النَّمْلَةِ أَوِ النَّحْلَةِ أَوِ الْعَنْكَبُوتِ وَهِيَ مِنْ صِغَارِ الْحَيَوَانَاتِ فِي بِنَائِهَا بَيْتَهَا وَفِي جَمْعِهَا غِذَاءَهَا، وَفِي إِلْفِهَا لِزَوْجِهَا، وَفِي ادِّخَارِهَا لِنَفْسِهَا، وَفِي حِذْقِهَا فِي هَنْدَسَةِ بَيْتِهَا، وَفِي هِدَايَتِهَا إِلَى حَاجَاتِهَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَكُلٌّ يَشْهَدُ بِشَكْلِهِ وَصُورَتِهِ وَحَرَكَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَعَجَائِبِ صَنْعَتِهِ لِفَاطِرِهِ الْحَكِيمِ وَخَالِقِهِ الْقَادِرِ الْعَلِيمِ، فَالْبَصِيرُ يَرَى فِي هَذَا الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ مِنْ عَظَمَةِ الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ وَجَلَالِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ مَا تَتَحَيَّرُ فِيهِ الْأَلْبَابُ وَالْعُقُولُ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
وَهَذَا الْبَابُ أَيْضًا لَا حَصْرَ لَهُ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ وَأَشْكَالَهَا وَطِبَاعَهَا غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَ تَعَجُّبُ الْقُلُوبِ مِنْهَا لِأُنْسِهَا بِكَثْرَةِ الْمُشَاهَدَةِ. نَعَمْ إِذَا رَأَى حَيَوَانًا وَلَوْ دُودًا تَجَدَّدَ تَعَجُّبُهُ وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَهُ ! وَالْإِنْسَانُ أَعْجَبُ الْحَيَوَانَاتِ وَلَيْسَ يَتَعَجَّبُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ لَوْ نَظَرَ إِلَى الْأَنْعَامِ الَّتِي أَلِفَهَا، وَنَظَرَ إِلَى أَشْكَالِهَا وَصُوَرِهَا، ثُمَّ إِلَى مَنَافِعِهَا وَفَوَائِدِهَا مِنْ جُلُودِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِبَاسًا لِخَلْقِهِ، وَأَكْنَانًا لَهُمْ فِي ظَعْنِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ، وَآنِيَةً لَأَشْرِبَتِهِمْ، وَأَوْعِيَةً لَأَعْذِيَتِهِمْ، وَصِوَانًا لِأَقْدَامِهِمْ، وَجَعَلَ أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا أَغْذِيَةً لَهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ بَعْضَهَا زِينَةً لِلرَّكُوبِ، وَبَعْضَهَا حَامِلَةً لِلْأَثْقَالِ قَاطِعَةً لِلْبَوَادِي وَالْمُفَازَاتِ الْبَعِيدَةِ لَأَكْثَرَ النَّاظِرُ التَّعَجُّبَ مِنْ حِكْمَةِ خَالِقِهَا وَمُصَوِّرِهَا، فَإِنَّهُ مَا خَلَقَهَا إِلَّا بِعِلْمٍ مُحِيطٍ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا سَابِقٍ عَلَى خَلْقِهِ إِيَّاهَا. فَسُبْحَانَ مَنِ الْأُمُورُ مَكْشُوفَةٌ فِي عِلْمِهِ مِنْ غَيْرِ تَفَكُّرٍ وَمِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ، وَمِنْ غَيْرِ اسْتِعَانَةٍ بِوَزِيرٍ أَوْ مُشِيرٍ فَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ الْحَكِيمُ الْقَدِيرُ، فَلَقَدِ اسْتَخْرَجَ بِأَقَلِّ الْقَلِيلِ مِمَّا خَلَقَهُ صِدْقَ الشَّهَادَةِ مِنْ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِتَوْحِيدِهِ، فَمَا لِلْخَلْقِ إِلَّا الْإِذْعَانُ لِقَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَالِاعْتِرَافُ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ؟ بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَعْرِفَتِنَا الِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُكْرِمَنَا بِهِدَايَتِهِ بِمَنِّهِ وَرَأْفَتِهِ.

.آيَةُ الْبِحَارِ:

مِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى الْبِحَارُ الْعَمِيقَةُ الْمُكْتَنِفَةُ لِأَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَفِيهَا مِنْ عَجَائِبِ الْحَيَوَانِ، وَالْجَوَاهِرِ أَضْعَافُ مَا تُشَاهِدُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ سِعَتَهُ أَضْعَافُ سِعَةِ الْأَرْضِ. انْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ اللُّؤْلُؤَ وَدَوَّرَهُ فِي صَدَفِهِ تَحْتَ الْمَاءِ، وَانْظُرْ كَيْفَ أَنْبَتَ الْمَرْجَانَ مِنْ صُمِّ الصُّخُورِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا عَدَاهُ مِنَ الْعَنْبَرِ وَأَصْنَافِ النَّفَائِسِ الَّتِي يَقْذِفُهَا الْبَحْرُ وَتُسْتَخْرَجُ مِنْهُ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى عَجَائِبِ السُّفُنِ كَيْفَ أَمْسَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَسَيَّرَ فِيهَا التُّجَّارَ وَطُلَّابَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرَهُمْ وَسَخَّرَ لَهُمُ الْفُلْكَ لِتَحْمِلَ أَثْقَالَهُمْ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْمَاءُ مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ كُلِّ ظَاهِرٍ وَهُوَ كَيْفِيَّةُ قَطْرَةِ الْمَاءِ وَهُوَ جِسْمٌ رَقِيقٌ لَطِيفٌ سَيَّالٌ مُشِفٌّ مُتَّصِلُ الْأَجْزَاءِ كَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَطِيفُ التَّرْكِيبِ سَرِيعُ الْقَبُولِ لِلتَّقْطِيعِ، بِهِ حَيَاةُ كُلِّ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ، فَلَوِ احْتَاجَ الْعَبْدُ إِلَى شَرْبَةِ مَاءٍ وَمُنِعَ مِنْهَا لَبَذَلَ جَمِيعَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَمُلْكَ الدُّنْيَا فِي تَحْصِيلِهَا لَوْ مَلَكَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَوْ شَرِبَهَا وَمُنِعَ مِنْ إِخْرَاجِهَا لَبَذَلَ جَمِيعَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَمُلْكَ الدُّنْيَا فِي إِخْرَاجِهَا.
فَالْعَجَبُ مِنَ الْآدَمِيِّ كَيْفَ يَسْتَعْظِمُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ وَنَفَائِسَ الْجَوَاهِرِ وَيَغْفُلُ عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ فِي شَرْبَةِ مَاءٍ إِذَا احْتَاجَ إِلَى شُرْبِهَا أَوِ الِاسْتِفْرَاغِ عَنْهَا بَذَلَ جَمِيعَ الدُّنْيَا فِيهَا. فَتَأَمَّلْ فِي عَجَائِبِ الْمِيَاهِ وَالْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ وَالْبِحَارِ فَفِيهَا مُتَّسَعٌ لِلْفِكْرِ وَمَجَالٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ شَوَاهِدُ مُتَظَاهِرَةٌ وَآيَاتٌ مُتَنَاصِرَةٌ نَاطِقَةٌ بِلِسَانِ حَالِهَا مُفْصِحَةٌ عَنْ جَلَالِ بَارِئِهَا مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمَالِ حِكْمَتِهِ.

.آيَةُ الْهَوَاءِ وَعَجَائِبُ الْجَوِّ:

وَمِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى الْهَوَاءُ اللَّطِيفُ، فَإِنْ شَاءَ جَعْلَهُ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الْحِجْرِ: 22] فَيَصِلُ بِحَرَكَتِهِ رُوحُ الْهَوَاءِ إِلَى الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ فَتَسْتَعِدُّ لِلنَّمَاءِ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ عَذَابًا عَلَى الْعُصَاةِ مِنْ خَلِيقَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [الْقَمَرِ: 19- 20].
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى عَجَائِبِ الْجَوِّ وَمَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنَ الْغُيُومِ وَالرُّعُودِ وَالْبُرُوقِ وَالْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ وَالشُّهُبِ وَالصَّوَاعِقِ فَهِيَ عَجَائِبُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى جُمْلَةِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الدُّخَانِ: 38] وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَأَشَارَ إِلَى تَفْصِيلِهِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الْبَقَرَةِ: 164] وَحَيْثُ تَعَرَّضَ لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ. فَتَأَمَّلِ السَّحَابَ الْكَثِيفَ الْمُظْلِمَ كَيْفَ تَرَاهُ يَجْتَمِعُ فِي جَوٍّ صَافٍ لَا كُدُورَةَ فِيهِ، وَكَيْفَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ، وَهُوَ مَعَ رَخَاوَتِهِ حَامِلٌ لِلْمَاءِ الثَّقِيلِ وَمُمْسِكٌ لَهُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ فِي إِرْسَالِ الْمَاءِ وَتَقْطِيعِ الْقَطَرَاتِ حَتَّى يُصِيبَ الْأَرْضَ قَطْرَةً قَطْرَةً، فَلَوِ اجْتَمَعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ عَلَى أَنْ يَخْلُقُوا مِنْهَا قَطْرَةً لَعَجَزُوا، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ الْجَبَّارِ الْقَادِرِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

.آيَةُ السَّمَاوَاتِ:

وَمِنْ آيَاتِهِ تَعَالَى مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ، وَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ فِي كِتَابِهِ فَمَا مِنْ سُورَةٍ إِلَّا وَتَشْتَمِلُ عَلَى تَفْخِيمِهَا فِي مَوَاضِعَ، وَكَمْ مِنْ قَسَمٍ فِي الْقُرْآنِ بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطَّارِقِ: 1] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الْوَاقِعَةِ: 75- 76] وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَجَائِبَ النُّطْفَةِ الْقَذِرَةِ عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَحَالَ الْأَرْزَاقَ عَلَيْهِ وَأَضَافَهَا إِلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذَّارِيَاتِ: 22] وَأَثْنَى عَلَى الْمُتَفَكِّرِينَ فِيهِ فَقَالَ: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آلِ عِمْرَانَ: 191] فَارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ وَانْظُرْ فِيهَا وَفِي كَوَاكِبِهَا وَطُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَاخْتِلَافِ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا وَدُءُوبِهَا فِي الْحَرَكَةِ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ فِي حَرَكَتِهَا وَمِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ فِي سَيْرِهَا، بَلْ تَجْرِي جَمِيعًا فِي مَنَازِلَ مُرَتَّبَةٍ بِحِسَابٍ مُقَدَّرٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ إِلَى أَنْ يَطْوِيَهَا اللَّهُ تَعَالَى طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وَتَدَبَّرْ كَثْرَةَ كَوَاكِبِهَا وَاخْتِلَافَ أَلْوَانِهَا وَكَيْفِيَّةَ أَشْكَالِهَا. ثُمَّ انْظُرْ إِلَى مَسِيرِ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا فِي مُدَّةِ سَنَةٍ، ثُمَّ هِيَ تَطْلُعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَتَغْرُبُ، وَلَوْلَا طُلُوعُهَا وَغُرُوبُهَا لَمَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَمْ تُعْرَفِ الْمَوَاقِيتُ، وَلَأَطْبَقَ الظَّلَامُ عَلَى الدَّوَامِ أَوِ الضِّيَاءُ عَلَى الدَّوَامِ فَكَانَ لَا يَتَمَيَّزُ وَقْتُ الْمَعَاشِ عَنْ وَقْتِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَانْظُرْ إِلَى إِيلَاجِهِ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَإِدْخَالِهِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ عَلَيْهِمَا عَلَى تَرْتِيبٍ مَخْصُوصٍ، وَانْظُرْ كَيْفَ أَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَمِنْ غَيْرِ عِلَاقَةٍ مِنْ فَوْقِهَا. وَعَجَائِبُ السَّمَاوَاتِ لَا مَطْمَعَ فِي إِحْصَاءِ عُشْرِ عُشَيْرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى طَرِيقِ الْفِكْرِ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَمَا مِنْ كَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ إِلَّا وَلِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ الْعَالَمِ كَبَيْتٍ وَاحِدٍ، وَالسَّمَاءُ سَقْفُهُ، فَالْعَجَبُ مِنْكَ أَنَّكَ تَدْخُلُ بَيْتَ غَنِيٍّ فَتَرَاهُ مُزَوَّقًا بِالصَّبْغِ مُمَوَّهًا بِالذَّهَبِ فَلَا يَنْقَطِعُ تَعَجُّبُكَ مِنْهُ وَلَا تَزَالُ تَذْكُرُهُ وَتَصِفُ حُسْنَهُ طُولَ عُمُرِكَ، وَأَنْتَ أَبَدًا تَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الْعَظِيمِ وَإِلَى أَرْضِهِ وَإِلَى سَقْفِهِ وَإِلَى هَوَائِهِ وَإِلَى عَجَائِبِ أَمْتِعَتِهِ وَغَرَائِبِ حَيَوَانَاتِهِ، ثُمَّ لَا تَتَحَدَّثُ فِيهِ وَلَا تَلْتَفِتُ بِقَلْبِكَ إِلَيْهِ، لَيْسَ لَكَ هَمٌّ إِلَّا شَهْوَتُكَ، اشْتَغَلْتَ بِأَنْوَاعِ الْغُرُورِ وَغَفَلْتَ عَنِ النَّظَرِ فِي جَمَالِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَاسْتَكْثِرْ مِنْ مَعْرِفَةِ عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَكُونَ مَعْرِفَتُكَ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ أَتَمَّ وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ.

.كِتَابُ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ:

.فَضْلُ ذِكْرِ الْمَوْتِ:

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» وَعَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يُمَحِّصُ الذُّنُوبَ وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا» وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا» وَعَنْهُ: «أَكْيَسُ النَّاسِ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ».
وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَوْتَ قَدْ نَغَّصَ عَلَى أَهْلِ النَّعِيمِ نَعِيمَهُمْ فَاطْلُبُوا نَعِيمًا لَا مَوْتَ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُنْهَمِكَ فِي الدُّنْيَا الْمُكِبَّ عَلَى غُرُورِهَا الْمُحِبَّ لِشَهَوَاتِهَا يَغْفُلُ قَلْبُهُ لَا مَحَالَةَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَلَا يَذْكُرُهُ، وَإِذَا ذُكِّرَ بِهِ كَرِهَهُ وَنَفَرَ مِنْهُ، أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الْجُمُعَةِ: 8]. ثُمَّ النَّاسُ إِمَّا مُنْهَمِكٌ وَإِمَّا تَائِبٌ مُبْتَدِئٌ وَإِمَّا عَارِفٌ مُنْتَهٍ.
أَمَّا الْمُنْهَمِكُ فَلَا يَذْكُرُ الْمَوْتَ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فَيَذْكُرُهُ لِلتَّأَسُّفِ عَلَى دُنْيَاهُ وَيَشْتَغِلُ بِمَذِمَّتِهِ، وَهَذَا يَزِيدُهُ ذِكْرُ الْمَوْتِ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا.
وَأَمَّا التَّائِبُ فَإِنَّهُ يُكْثِرُ مَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ لِيَنْبَعِثَ بِهِ مِنْ قَلْبِهِ الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ فَيَفِيَ بِتَمَامِ التَّوْبَةِ.
وَأَمَّا الْعَارِفُ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْمَوْتَ دَائِمًا لِأَنَّهُ مَوْعِدٌ لِلِقَائِهِ لِحَبِيبِهِ، وَالْمُحِبُّ لَا يَنْسَى قَطُّ مَوْعِدَ لِقَاءِ الْحَبِيبِ.
ثُمَّ إِنَّ أَنْجَعَ طَرِيقٍ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ أَشْكَالِهِ وَأَقْرَانِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ، فَيَتَذَكَّرَ مَوْتَهُمْ وَمَصَارِعَهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ، وَيَتَذَكَّرَ صُوَرَهُمْ فِي مَنَاصِبِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَيَتَأَمَّلَ كَيْفَ مَحَا التُّرَابُ الْآنَ حُسْنَ صُوَرِهِمْ وَكَيْفَ تَبَدَّدَتْ أَجَزَاؤُهُمْ فِي قُبُورِهِمْ وَخَلَتْ مِنْهُمْ مَسَاجِدُهُمْ وَمَجَالِسُهُمْ وَانْقَطَعَتْ آثَارُهُمْ، وَأَنَّهُ مِثْلُهُمْ وَسَتَكُونُ عَاقِبَتُهُ كَعَاقِبَتِهِمْ. فَمُلَازَمَةُ هَذِهِ الْأَفْكَارِ مَعَ دُخُولِ الْمَقَابِرِ وَمُشَاهَدَةِ الْمَرْضَى هُوَ الَّذِي يُجَدِّدُ ذِكْرَ الْمَوْتِ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ وَيَتَجَافَى عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَمَهْمَا طَابَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ مُفَارَقَتِهِ.
نَظَرَ ابن مطيع ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى دَارِهِ فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا الْمَوْتُ لَكُنْتُ بِكِ مَسْرُورًا، وَلَوْلَا مَا نَصِيرُ إِلَيْهِ مِنْ ضِيقِ الْقُبُورِ لَقَرَّتْ بِالدُّنْيَا أَعْيُنُنَا ثُمَّ بَكَى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.